سيد محمد طنطاوي

135

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم . وذلك كما يقول الغالب للمغلوب في جدال وصراع أو غيرهما : اعترف بأنى أنا الغالب وسلم لي بالغلبة . ويجوز أن يكون من باب التعريض ومعناه : اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره » « 1 » . هذا وتعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات التي تهدى الناس إلى طريق الحق بأسلوب منطقي رصين ، ولذا كان النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يكتبها في بعض رسائله التي أرسلها إلى الملوك والرؤساء ليدعوهم إلى الإسلام - . فقد جاء في كتاب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى هرقل - ملك الروم - « من محمد رسول اللَّه إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى . أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام . أسلم تسلم يؤتك اللَّه أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ، * ( يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّه ولا نُشْرِكَ بِه شَيْئاً ) * إلخ الآية » « 2 » . وأما النداء الثاني الذي اشتملت عليه هذه الآيات فقد تضمن نهى أهل الكتاب عن الجدال بالباطل في شأن إبراهيم - عليه السّلام - قال - تعالى - * ( يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِه أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * . قال ابن جرير : عن ابن عباس قال : اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول اللَّه فتنازعوا عنده ، قالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهوديا وقالت النصارى : ما كان إبراهيم إلا نصرانيا ، فأنزل اللَّه - تعالى - فيهم : * ( يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ ) * « 3 » . وقوله * ( تُحَاجُّونَ ) * من المحاجة ومعناها أن يتبادل المتخاصمان الحجة بأن يقدم كل واحد حجة ويطلب من الآخر أن يرد عليها . والمعنى : لا يسوغ لكم يا معشر اليهود والنصارى أن تجادلوا في دين إبراهيم وشريعته فيدعى بعضكم أنه كان على الديانة اليهودية ، ويدعى البعض الآخر أنه كان على الديانة النصرانية ، فإن التوراة والإنجيل ما نزلا إلا من بعده بأزمان طويلة ، فكيف يكون يهوديا يدين بالتوراة مع أنها ما نزلت إلا من بعده ، أو كيف يكون نصرانيا يدين بالإنجيل مع أنه ما نزل إلا من بعده ، بآلاف السنين ؟ إن هذه المحاجة منكم في شأن إبراهيم ظاهرة البطلان واضحة الفساد .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 371 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 105 والأريسيون هم : العمال والفلاحون وعامة الشعب . ( 3 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 305 طبعة مصطفى الحلبي ، سنة 1954 .